الشيخ محمد السبزواري النجفي
27
ارشاد الاذهان الى تفسير القرآن
142 - سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ . . . السفهاء جمع سفيه : خفاف الحلوم والعقول ، المنكرون لتغيير القبلة من منافقي اليهود والنصارى وسائر المشركين . وهي جمع سفيه ، وقد قدم الجملة الإخبارية توطينا للنفس وإعدادا للجواب . ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها أي : ما صرفهم عن قبلة بيت المقدس التي كانوا يتوجّهون إليها في عبادتهم ليتّجهوا نحو الكعبة ؟ . قُلْ : لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فله الأرض كلّها ولا يختصّ به مكان دون آخر ، وهو يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يدلّ من يريد على الطريق السّويّ حسبما توجبه حكمته . 143 - وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً . . . أي مقتصدة في الأمور جميعا . أو عدلا . أو خيارا . لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ في أعمالهم المخالفة للحق ، في الدنيا والآخرة وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً بما عملتم من الأعمال الصالحة . وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها أي وجهة بيت المقدس ، ما أمرناك باستقبالها أولا والتولي عنها أخيرا . إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ أي لنمتحن الناس فنرى التابع لك في التوجه نحو الكعبة أثناء الصلاة ، مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ أي ممن يرتدّ ويرجع إلى قبلة آبائه تقليدا لهم ، ومعصية لأمرنا ، وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً أي صلاتهم إلى الكعبة شاقّة على الذين يخالط إيمانهم الشّرك بدليل ارتداد قوم عن الإسلام استعظاما منهم لترك القبلة الأولى ، وجهلا منهم بحكمة اللَّه . إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ من الذين وفّقهم اللَّه للإسلام ودلهم على حكمه ، وأرشدهم إلى المصلحة في تحويل القبلة . وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ يجعل صلاتكم السابقة إلى القبلة المنسوخة صحيحة مقبولة كالصلاة إلى القبلة الناسخة ، إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ ، رَحِيمٌ والرأفة أشدّ الرّحمة . 144 - قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ . . . يؤكّد سبحانه أنه يرى تقلّب : تحوّل وجه رسوله من جهة إلى جهة في الآفاق ، منتظرا أن يحوّله في الصلاة نحو الكعبة التي كانت قبلة أبيه إبراهيم ( ع ) وأقدم الكعبتين ، وينتظره فنزل عليه فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها أي فلنحوّلنّك نحو قبلة تحبّها وترغب فيها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حوّله في صلاتك ناحية الكعبة مع سائر مقاديم بدنك . وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ تصريح بعموم حكم التحويل لجميع الأمّة وسائر أهل الآفاق . مشيرا إلى أن ذلك معلوم لدى اليهود والنصارى بقوله : وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ فتحويل القبلة مذكور عندهم ، ثابت لديهم من عند اللَّه . وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ وهو حاضر ناظر لما يفعلونه . 145 - وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ . . . أي واللَّه إن جئت يا محمد بأيّ برهان على دعواك في تحويل القبلة إلى الكعبة ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ تحوّلوا إلى قبلتك . وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ لأنك مأمور بالتحوّل عنها من قبل اللَّه حسما لأطماعهم السخيفة وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ لأن اليهود يستقبلون بيت المقدس ، والنصارى يتّجهون نحو مطلع الشمس . وكل منهم ثابت على قبلته ، فلا يرجى توافقهم كما لا ترجى موافقتهم لك . وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ أي بعد ما جاءك من الحق في أمر قبلتك . إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ وقد حمل أرباب التفسير هذه الآية المباركة على سبيل الفرض والتقدير لمكان عصمته ( ص ) .